يتعلم الشاب منذ أولى مراحل حياته أن المعلم هو أساس كل نمو معرفي وأن القدوة أصل كل عملية تربوية، فتبدأ رحلة البحث عنده إلى أن يهتدي لمن يتفهمه ويجيب عن أسئلته الوجودية العميقة أو الساذجة السطحية، فيتخذه سراجًا يهتدي به.

تطور المفهوم مع تطور العلم وظهرت آليات جديدة لصناعة القدوات، فأبرز الإعلام أسماء تجذب إليها كل باحث حائر، خاصة ممن لم تقنعه النماذج التي يعيش معها وفضل استيراد قدوات أخرى عابرة للقارات يكتشفها عبر الكتب أو الفضائيات وأخرى صاحبة حسابات فيسبوكية أو تويترية مليونية أو تزيد أو تنقص.

ليس الإشكال لحد اللحظة فيما قلنا من باب أن الحكمة ضالة الإنسان، بينما الخلل يكمن في طريقة الاقتناع بذلك الاسم أو ذاك، والمكانة التي تمنح له في عقل المنبهر وقلبه، مادام محسنا مبدعا، حتى إذا أساء يوما انهدم صرحه كشخص وانهدمت من ورائه أفكاره التي كانت لوقت قريب من المقدسات.

الخلل في تجسد الفكرة الصائبة في شخص الإنسان بضعف مداركه ومحدودية تقديراته ليغدو وثنا يعبد، حتى إذا ذكرت الفكرة ذكر هو ونسبت إليه فحاز فضلها وفضل نشرها بين الناس، لكنها سرعان ما تصبح سرابا وتتبخر من سلوك محبيه إن هو أخطأ أو اتهم بالخطأ زورا بعد مناورة إعلامية أو منازلة سياسية بينه وبين خصم امتلك أسباب الدعاية وتفوق فيها.

هنا يحار التابع المتابع ويتفرق المهتمين بين مؤيد ومعارض وبين متحفظ ومنتظر تلك الفرصة لينفث سمومه ضد الشخص وأفكاره بالتبع، فيرفع راية الحق يبغي من ورائها باطلا، ويحمل مشعل الصواب يرمي من ورائه الخطأ.

اتباع الأسماء والاقتناع بها بذهنية هوليودية يودي بصاحبها للإشكالات التي يراد له الوقوع فيها، فهذه الذهنية المؤسسة على الرجل الواحد المخلّص من الأزمات بعد تعذر كل الحلول فهو يتحدى كل الصعاب بعد أن عجز عنها العشرات والمئات قبله، وهو فقط من يملك دواء لكل داء، ويتقن كل أدوار الفيلم أكثر من المخرج نفسه.

لذا وبهذا المفهوم الذي تم استيعابه وتشربه بعمق ولأكثر من مرة كلما أتم المشاهد فيلمه المفضل نجده يسحب نفس التصور ليلبسه ذلك العالم أو تلك الشخصية الجديدة في اليوتيوب أو الفيسبوك، فيلقي على كاهله كل آماله ويتوقع منه كل آماله، لكنه سرعان ما يفقد توازنه وتتملكه الحيرة عندما يشاهد شخصا آخر أو أكثر يقدح فيه ويفضح أخطاءه.

لكل إنسان مجاله الذي يبدع فيه ويتفوق ومجالات أخرى لا يفقهها ولا يعلم منها شيئا، وعلى هذا الأساس علينا أن ندرك قضية القدوة والنموذج، فيكفي أن نجد مساحة اتفاق لنركز عليها وندع ما فيه الاختلاف دون تقديس ولا بخس للجهود.

على صاحب العقل أن يبذل جهدًا في ترشيح مثقفه وعالمه المفضل ولا يكتفي بعداد المعجبين في الفيسبوك ولا أعداد النسخ والطبعات من الكتب المؤلفة، عليه أيضا ألا ينساق وراء الحملات المغرضة والتحريض ضمن صراعات سياسية لا يعلم منها سوى ما يطفو إعلاميًّا.

العصر عصر وفرة المعلومة، والبحث عن القدوة يقتضي البحث في منطلقات ومآلات أفكارها، فما وجدناه موافقا للعقل محترما للقلب متزنا متناغما أخذنا به، وما كان دون ذلك تجاوزناه لما هو أفضل منه، معترفين بالجميل لأهله مهما كان انتماؤهم وعرقهم ولونهم.

المقالة منشورة في موقع ساسة بوست