لكل مدينة أيامها الجميلة، ولكل حضارة أعيادها وأفراحها، والإنسان بين هذا وذاك يبقى متأملا مستلهما، يلتمس التجارب ويطلبها ليعتصر منها ما يفيده ويجيب على أسئلته وما أشكل عليه، كما يزيد في رصيد معارفه ومداركه.

هناك في عمق الجزائر الفسيحة تحيا عراقة وأصالة منذ قرون، شكلت ولا تزال تجربة اجتماعية رائدة تثري المشهد الوطني والعالمي، وتستمد منهما ألقها بأعرافها وخصوصياتها ومميزاتها كنموذج اجتماعي حي معاصر لتكاثف الإنسان وتلاحمه، حين يرتقي بأخلاقه ويتسامى بروحه فوق المصالح الشخصية والمكاسب المادية.

هي ليست رواية من مغامرات ألف ليلة وليلة، وإنما وصف للحظات عشتها هذه الأيام، وعاشها كل من حظي بزيارة تلك البقاع العريقة، أيام إجازة الربيع المدرسية، وما حوته من أنشطة مكثفة جدا كعهدها كل عام، جمعت الثقافة والسياحة والعلم والفكر والتراث والتاريخ والإبداع في أطباق شهية قدمها أهل مزاب بكل سخاء ووفاء.

المدينة هي غرداية وفي رواية أهلها “تغردايت” عانت من أزمة أمنية مؤخرا كادت تودي بها في عمق التاريخ، لكنها استعادت توازنها من جديد ولملمت جراحها أو كادت وكلها عزم لطي الماضي الأليم وخطّ صفحات جديدة من المجد كما فعل الأوائل تحديا وصمودا.

شهدت غرداية توافدا نوعيا للسياح هذه الأيام من مختلف ولايات الجزائر وبقاع العالم، قاصدين أبرز معالمها التي طالما سمعوا عنها أو شاهدوها هنا وهناك، فكرم أهلها لا يخفى، وجمال المناسبات التي شهدوها قد أسر لبّهم فعبّر كل منهم بطريقته، ولعل أجمل طريقة هي نية العودة إليها مجددا مرات ومرات…

فالزربية برمزيتها لجهود امرأة مبدعة، والزي التقليدي الجميل بهيبته ووقاره، والقصر القديم بصومعة المسجد المشرفة عليه معنى ومبنى، وكذا واحتها الغناء بنظام تقاسيم المياه المتفرد عالميا، ونخيلها المصطفة بثبات تروي ظمأها بآبار حفرت بعمق مئات الأقدام، لو تحدثت لأخبرت بمجد إنسان بثّ الحياة في صحراء ورمال وجبال.

أما في أعراس المدينة فإنك ترى تلك الحركية كخلايا النحل نظاما وفعالية، فلكل دوره ولكل مهامه، تنتفي كل الاعتبارات وتذوب كل المستويات هناك، فالتطوع سمة المتعلم المتدرج في سلم الجامعات والموظف والتاجر والأستاذ والدكتور على حد سواء، حتى المباني والقاعات بفخامتها ورونقها لا تكلف صاحب العرس أي إيجارات، وإنما بنيت بروح التعاون وشيدت بسواعد المحسنين وأموالهم.

وعن فكرة الأعراس الجماعية فهي من أقوى ما يضفي لنسيج المجتمع التماسك والمناعة، فهي حل من حلول التحكم في غزارة الأعراس، وحل من الحلول الاقتصادية لتكاليفها، مع ما تزيد لأصحابها من خبرة وحنكة في تسيير مثل هذه الفعاليات، ولعل من أجمل الطرف التي رأيتها كتصرف حكيم، حينما حضرت عرسا لعشرات المتوّجين، وقد كان مستوى المشاركات عال جدا من شعراء ومنشدين ومحاضرين، إلا أن منشط الحفل بنباهة وباسم الآلاف من الحاضرين بزيهم الأبيض الموحد قام بإهداء شهادة تقدير لرجل مخلص مهمّته تنظيم موقف السيارات خارج مبنى الحفل، فكانت لفتة ذكية صفق لها الحاضرون طويلا.

من أبرز انطباعات من زاروا غرداية وتمتعوا بجمال أعرافها في تنظيم أعراسها ذلك التناغم بين البساطة والأصالة من جهة والمعاصرة واستغلال التقنيات الحديثة من جهة مقابلة، دون إخلال بأي منهما، فلا تكلّف في الوسائل ولا تصنّع في الوجوه، فيما تبقى أجمل اللحظات هي الحفلات المقامة في الواحات والغابات بين النخيل وأشجار الزهور والنسيم الربيعي العليل مع كؤوس الشاي وشذى ألحان الأناشيد من فنانين متألقين، فهي حقا لوحات فنية مما يصعب وصفها وترجمتها لكلمات مجردة.

في المدينة أيضا برامج مكثفة هنا وهناك تسمى بالأيام الثقافية حول مواضيع اجتماعية تارة، واقتصادية أو صحية تارة أخرى، كمحاضرات موجهة لمختلف فئات المجتمع يلقيها أبناء غرداية المتألقين في الجامعات الوطنية والعالمية، أو ضيوف شرف من أرجاء الجزائر، وهي حقا مما يزيد من رصيد المجتمع المعرفي ووعيه أمام المستجدات، هذا فضلا عن معارض الكتاب المقامة في المؤسسات التربوية حيث تشهد إقبالا نوعيا.

غرداية كقطب سياحي أصيل كانت ولا تزال مرشّحة لتكون إحدى أجمل القِبلات السياحة الجزائرية، إذ جمعت أكثر من ميزة تجعلها كذلك، ففضلا على ريادتها التجارية، والصناعية، فهي المبادرة دوما في رفع التحديات بإنتاجها النوعي الفلاحي والحيواني من حليب وعسل وتمور بأنواعها.

أجمل ما اختتمت به أيامي في غرداية أمطار خير وبركة غسلت ما علق فيها من مسحة الحزن التي غشيتها مؤخرا، وأملي في أن يفرج همّها بشكل تام، وتعود المياه لمجاريها فبوادر الخير كثيرة، ونوايا رأب الصدع واضحة، يبقى أن تضبط البوصلة وتتضح الصورة أكثر وأكثر.

المقالة منشورة في موقع ساسة بوست