كنت كلما أطّلع وأشاهد التقارير والأرقام التي تتحدث عن الإسلام في أوروبا وكيف أنه في انتشار متزايد من عام لآخر، أشعر بنوع من الارتياح والعزاء، الارتياح من نور الله المشرق من هناك رغم كل ما يثبت العكس، والعزاء لوجود فعلي لنموذج المسلم القوي المحبوب إلى الله عز وجل، ولكن…

من جانب آخر أصدم بواقع الحال مما تبثّه وسائل الإعلام عن مظاهر التخلّف والحروب والفتن فيما يسمى جغرافيا بالعالم الإسلامي، وكيف أن معاني الإسلام السمحة التي ندرسها نجدها واقعا ماثلا أمامنا في بلاد تنعت بالضلال، ومظاهر حذرنا منها ديننا تمثل يوميات بلاد وشعوب تحمل النور في أذهانها وتتعثر في أبسط العثرات في قاع الظلام، فبين عاطفتين متناقضتين تبدو أمام الإنسان أسئلة جوهرية كل منها يؤدي لما هو أعقد وأحرج…

الإسلام في أوروبا وكما صوّره الإعلام لنا انتشر بجهود المسلمين المهاجرين من بلادهم الشرقية عربية كانت أم أعجمية، وهذا لا ينكر في جزء منه، بينما ليست القضية كذلك فقط، ففي أوروبا استعدادات وقابليات جعلت من الفكرة الدينية الإسلامية تجد تربة خصبة وسياقا ملائما، حتّى أزهرت وأينعت، وهذه التربة تمثّلت في عوامل كثيرة هذّبتها وأثٍّرت فيها عميقا، لعلّ أهمّها التجارب القاسية التي مرّت بها المجتمعات هناك منذ عصور الظلام إلى الثورة الصناعية وعصر الحداثة وما بعد الحداثة، فالإنسان هناك كان دائم التساؤل عن نموذج الحياة الأفضل نفسيا وماديا، ولحد الساعة هو متسائل بمنهجه الفريد حين يدخل النظريات المستوردة أو المبتكرة عنده المخابر يمحّصها ويقلّبها ويختبر أداءها في الميدان في عملية دورية دون تراخ.

من هنا نجد أن للسياق الخصب دور كبير في تقبّل الأفكار ورفضها، وكلّما اقترب الإنسان من فطرته كلّما التمس نور الإسلام الحقيقي وتمسّك به بكل وجدانه وجوارحه، وهذا ما يفسّر أيضا حجم المناعة التي يكتسبها المسلمون الأوروبيين حينما يعاشرون ويعايشون لسنوات وعقود صنف آخر من المسلمين يتحدثون لغة القرآن بطلاقة ويتقنون الأحكام ويحفظونها آيات وأحاديث، إلا أن ممارساتهم تخبر غير ذلك حينما يفدون إليهم سائحين زائرين أو متعاملين، فيغرق عدد منهم في ملذّات الحياة الغربية ويسقطون أمام إغراءات الأضواء والبريق هناك تحت مبرّرات عقائدية خفية لا تقال باللسان بينما تظهر للعيان، أو يتورّطون في الاحتيال عليهم ويهدرون ثقتهم التي كانت أساسا باسم الدين في معاملات تجارية، وصنف آخر ملتزم مبتسم لكنه مخلف لمواعيده كأبسط مثال، كل هذا لم يثن ذلك المسلم الأوروبي عن عزمه ولم يرده عن سبيله.

الحديث عن موضوع الإنسان والإسلام في أوربا ليس بهذه البساطة طبعا، ولا يمكن الجزم بقناعات والمسارعة لتدوين خلاصات مختزلة قد تحمل الخطأ فيها أكثر من الصواب بفعل زيارة سريعة هناك لأسبوع أو يزيد قليلا، إنما أشير في هذه المقالة لنقطة مهمّة ذهب إليها ودعى العديد من المفكّرين والعلماء وهي أنه لا يمكن تصدير الإسلام إلى أوروبا بقالبه التراثي الظاهري، وإدخال الناس في جحر واحد رسم معالمه الإنسان المسلم باجتهاده وليس الإسلام، كما ليس بالضرورة أيضا أن يغيّر بلده من أسلم مغادرا بلادا تسمّى “بلاد الكفر” إلى “بلاد الإسلام”، كما ليس بالضرورة أن يُستورد المفتي والشيخ الواعظ، من بلاد بعيدة تسمى سياسيا بالمسلمة ليخوض في مسائل تفصيلية من حياة لا يفقه منها إلا ما يصل إليه من قصص المسلسلات وقصاصات الجرائد… فيبيح المحظورات بغطاء الضرورات، ويحرم المباح بمبررات انهزامية تفوح منها رائحة الضعف، المفتي ومفسّر القرآن الكريم والعالم الموجّه ينشأ هناك، وينسجم في تلك الحياة بتفاصيلها ليؤسس لإنسان مسلم أوروبي ذاتي يحمل روح الإسلام وفكرته جوهرا ومظهرا.

على السائح والمستثمر وطالب العالم الزائر الوافد إلى أوربا والغرب عموما أن يكون حديثه –إن تحدث- عن الإسلام لغير المسلم في مستوى إدراك مخاطبه، وطريقة تفكيره، ومرتبة علمه، وإلا فستكون الدعوة تأجيجا لعاطفة سريعا ما تنطفئ جذوتها عندما يصطدم العقل بأول ما يخدش منطقه، أما أفضل وسيلة فضلا عن ذلك هي الدعوة بالحال في المعاملات سواء كانت مواعيد أو صفقات أو التزامات… نعم هي طريق شاقة تستدعي طول النفس… لكنها بإذن الله أكثر فعالية.

  • المقال منشور في العدد الثاني من نشرية إسهام