هو كتاب بديع في أسلوبه، متفرد في طريقته، عشت فيه رحلة ممتعة عبر الزمن، وتصفحت مع كل صفحة منه نفحة من التاريخ والحضارة، وارتسمت أمام ناظري صور من المشاهد المألوفة وغير المألوفة، وسمت قيَم تساءلتُ في كل زيارة لي إلى تركيا عن عمقها وجذورها، فالكتاب فعلا كنز من الخواطر المرصوصة بإحكام، تجعل أي قارئ لها يغوص فيه بكل حواسه، متلمسا فيه جوانب مضيئة من شعب كريم لطيف لا يمل مجالسه ولا يكل.

وقصتي مع كتاب “شاي تركي من فضلك، تركيا من الماضي إلى الحاضر” بدأت منذ قرأت خاطرة عنه منذ أشهر (1)، فتمنيت حينها أن أحصل عليه لأطالعه كاملا، لما يحمل في عنوانه بداية من بوادر تشويق، وفي وصف الكاتب له من مؤشرات تجعله فعلا يستحق القراءة، وعامل آخر يتمثل في نشره من دار النيل التي عهدت منها الجودة وحسن الانتقاء، فكتب الله أن أحصل عليه كهدية غالية من صديق عزيز.

أسلوب الكتاب القصصي الممزوج بالوصف الصوري أضفى له بعدا آخر من القراءة النظرية إذ يستدعي في كل فقرة منه صورا حقيقية لمن سبق له أن زار تركيا، وخيالية لمن لم يفعل ذلك بعد، فالمؤلفة الأمريكية كاثرين براننج Katharine Branning أبدعت في وصف رحلاتها الكثيرة جدا والممتدة لثلاثين عام إلى تركيا أواخر القرن العشرين وبعض السنوات من العقد الماضي، بعدما قدمت إليها من فرنسا في فترة دراستها الجامعية، فاندمجت بشكل كبير في أدق تفاصيل الحياة هناك كتمرّسها اللغة التركية وعيشها لفترات طويلة مع عائلات من عمق المجتمع التركي.

وقد جاء الكتاب بفكرته المبدعة محتويا على 28 رسالة تسرد فيها انطباعاتها حول تركيا والأتراك، أرسلتها المؤلفة كاثرين افتراضيا إلى السيدة ماري مونتاجيو Mary Montagu (و:1689 – ت: 1762م) والتي عاشت في تركيا لمدة ثلاثة عشر شهرا في القرن الثامن عشر، وقد كان زوجها حينها سفير إنجلترا لدى الدولة العثمانية، مما سميت رسائلها التي قرأتها المؤلفة وأعجبت بها “رسائل السفارة”.

قسّمت رسائل الكتاب إلى 5 أجزاء، فجاء الجزء الأول بعنوان: زوجتا سفيرين وجسران للتعارف، ثم الثاني: وطن، والثالث: شعب، فيما كان الرابع: أسلوب حياة، فالخامس: آفاق، وفي كل جزء منها استعرضت المؤلفة انطباعات وقراءات في أدق تفاصيل الحياة في تركيا، مقارنة من حين لآخر بين انطباعاتها كإنسانة عادية من عامة الناس، وبين رسائل زوجة السفير التي اتسمت بالرسمية والعيش في طبقة راقية بين القصور وحياة السفراء، فخالفتها مرة، واتفقت معها أخرى.

والآن وبعد قراءتي للكتاب، ما الذي استخلصت منه؟

  • تتميز الشعوب عامة بمجموعة صفات وقيم تستمدها من عمقها التاريخي، فمنها ما بقي ناصعا وتأثر سلبا بدخان المدنيّة التي اكتسبتها بشكل مشوه، مما يستدعي بعض الجهد لإعادة الأمور لمسارها، فيما هناك ما كان أثر التشوّه فيه غائرا، فلا نجد صورته الصحيحة الأولى إلا في الأرياف والمداشر، وهذا ما تشترك فيه كل المجتمعات شرقا وغربا، بينما هناك نوع ثالث من السلوكيات التي هذبتها المدنيّة وسددت مسارها بشكل أفضل مما كانت عليه.
  • كثيرا ما يتعرض الزائرون لمختلف المدن لسرد مظاهر الحياة فيها مقارنة بما ألفوا، فتأتي كتاباتهم أشبه بالمحاكمات الجائرة، إما مبالغة في الإطراء والمدح مقارنة بواقع سيء جاؤوا منه، أو محاولة للاستصغار والاحتقار مقارنة دائما بواقع أفضل نشؤوا فيه أيضا، وهذا ما لم أجده في هذا الكتاب، إذ كان الإنصاف واضحا، والدقة إلى حد بعيد في استعرض الموروث الحضاري المادي والمعنوي لدولة عظيمة مثل تركيا.
  • كل نهضة مهما كانت لا تأتي إلا بوجود مؤشرات واستعدادات مسبقة في البيئة المراد العمل فيها، وهذا موافق تماما لما ذهب إليه المفكر الجزائر مالك بن نبي رحمه الله في نظرية “القابلية للاستعمار” فإن رأينا دمارا فلقابلية موجودة فيمن يسير نحو الدمار، وإن كان هناك ازدهار وتألق فلاستعدادات وبذور عميقة في تربة تسقى بعذب المياه لتنبت زهرا ووردا.
  • الاطلاع على تجارب المجتمعات بمنظار داخلي وآخر خارجي، يحفزنا لتوليد العديد من الأفكار وتحويلها لمعمولات ميدانيا، فالاستئناس بالتجارب الناجحة دافع نحو التطور والتحسين، والاعتبار بالتجارب الفاشلة حارس وكابح لجماح الوقوع في نفس الفشل، بعيدا عن التقليد الساذج، بل بالتأمل والتحليل لعمق الظواهر لا مظاهرها وأعراضها.
  • أغبط كل كاتب لمغامراته وتجاربته، خاصة إن كانت ملهمة حقا لقارئها، فقراءة مثل هذه الكتب مما يوسّع الآفاق والمدارك، ويجعل الإنسان أكثر تواضعا وانحناء للعظماء ممن صنعوا تاريخا ومجدا يكتب عنه المنصفون، وتتناقل الأجيال قصصه جيلا عن جيل، فأملي أن أكتب يوما ما يستحق القراءة ويجد الصدى في أرض الواقع.

في الأخير أشير إلى أن الكتاب مترجم للعربية من الأستاذة أسماء عادل، ونشر دار النيل، وهو مما أنصح به بشدة، خاصة في الأسفار وأوقات الانتظار، لأنه حقا ممتع ومفيد جدا.

———————————–

(1) ينظر مقال للدكتور محمد باباعمي بعنوان:هاتف من استانبول (8) : شاي تركي من فضلك…